الشيخ عبد الله البحراني
421
العوالم ، الإمام جعفر الصادق ( ع )
قال : أبطلت وأثمت . ثمّ رفع ثني الوسادة ، فأخرج منها إضبارة « 1 » كتب ، فرمى بها إليه ، وقال : هذه كتبك إلى أهل خراسان تدعوهم إلى نقض بيعتي ، وأن يبايعوك دوني . فقال : واللّه يا أمير المؤمنين ! ما فعلت ، ولا أستحلّ ذلك ، ولا هو من مذهبي ، وإنّي لمن يعتقد طاعتك على كلّ حال ، وقد بلغت من السنّ ما قد أضعفني عن ذلك لو أردته ؛ فصيّرني في بعض جيوشك ، حتّى يأتيني الموت فهو منّي قريب . فقال : لا ولا كرامة ، ثمّ أطرق وضرب يده إلى السيف ، فسلّ منه مقدار شبر ، وأخذ بمقبضه ، فقلت : « إنّا للّه » ذهب - واللّه - الرجل . ثمّ ردّ السيف ، ثمّ قال : يا جعفر ! أما تستحي مع هذه الشيبة ومع هذا [ النسب ] أن تنطق بالباطل ، وتشقّ عصا المسلمين ؟ تريد أن تريق الدماء ، وتطرح الفتنة بين الرعيّة والأولياء . فقال : لا واللّه يا أمير المؤمنين ! ما فعلت ، ولا هذه كتبي ولا خطّي ، ولا خاتمي ؛ فانتضى من السيف ذراعا ؛ فقلت : « إنّا للّه » مضى الرجل ، وجعلت في نفسي إن أمرني [ فيه ] بأمر أن أعصيه ، لأنّني ظننت أنّه يأمرني أن آخذ السيف فأضرب به جعفرا ؛ فقلت : إن أمرني ضربت المنصور ، وإن أتى ذلك عليّ وعلى ولدي ، وتبت إلى اللّه عزّ وجلّ ممّا كنت نويت فيه أوّلا . فأقبل يعاتبه وجعفر يعتذر ، ثمّ انتضى السيف « 2 » [ كلّه إلّا شيئا يسيرا منه ؛ فقلت : « إنا للّه » مضى - واللّه - الرجل . ثمّ أغمد السيف ] وأطرق ساعة ، ثمّ رفع رأسه ، وقال : أظنّك صادقا ، يا ربيع ! هات العيبة « 3 » - من موضع كانت فيه في القبّة - فأتيته بها ، فقال : أدخل يدك فيها - فكانت مملوءة غالية - وضعها في لحيته . وكانت بيضاء فاسودّت ، وقال لي :
--> ( 1 ) « الإضبارة - بالكسر والفتح : الحزمة من الصحف » منه ره . ( 2 ) انتضى السيف : استلّه من غمده . ( 3 ) العيبة - بالفتح - : مستودع الثياب ، أو مستودع أفضل الثياب .